أحلام مؤجلة

قلما اتفق أهل تلك القرية الواقعة ضمن محافظة درعا على أمرٍ ما؛ فتاريخهم المروي أباً عن جدٍ يزخر بأنماط مفتعلةٍ مكررةٍ من الخلافات مئات بل وربما ألوف المرات حول قضايا عديدة حتى بين الإخوة وأبناء العمومة؛ كالإرث والأرض والمخترة والنيابة ومواقيت حيازة موارد المياه، حتى وصلت الخلافات في العصر الحديث إلى التباينات العقائدية والسياسية لتشغل مع الوقت الحيز الأوسع في سِفْرِ الخلافات الموروثة.

 لكن أهل هذه القرية الوادعة وبرغم كل خلافاتهم اتفقوا في أمرٍ واحد؛ وهو أن “هيفاء”، وهي ابنة أحد أبرز وجهاء القرية التي كانت قد تخرجت للتو بشهادة في طب العيون من جامعة دمشق وبتقدير ممتاز، هي قطعاً أجمل فتيات القرية، وقد تكون أجمل فتيات المحافظة على الإطلاق، وبأن خطيبها “جابر” والذي كان قد زاملها طيلة سنوات الدراسة الخمس في الجامعة هو بلا شك الرجل الملائم لها تماماً، فلا تنقصه الأهلية ولا التهذيب ولا الوسامة. كان الخطيبان متفاهمين للغاية وسرعان ما قاما بتحديد موعد زفافهما ليكون في أيلول من عام 2011 الذي يليه، بل وقاما بتحديد أدق التفاصيل المتعلقة بالزفاف من أزياء العرس ومكان الحفل ومن سيحييه وأعداد وأسماء المدعوين والمدعوات وحتى ما سيقدم لهم من ضيافة.

 الشيء الوحيد الذي لم يحسب العروسان حسابه للزفاف كان النازلة التي داهمت البلاد بدءاً من شهر آذار من العام نفسه بادئةً بمحافظة درعا لتمحو كل ما مرت به، وتؤجل، إن لم تلغ تماماً كل خططٍ مستقبليةٍ قائمة، تاركةً لهيفاء وجابر أن يتبادلا أخبارهما عن بعد عبر الهاتف المحمول، وغالباً ما يتبادلان النكات التي هي أشبه بالمأساة عن حلمهما المؤجل قسراً والمرتهن باحتمالاتٍ قاتمة.

-مي

Leave a comment

Filed under General, Return and Resettlement

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s