انطباعاتي عن مخيم الزعتري

بقلم المتدرب في أرض-العون القانوني، جيدو تاكنبيرغ

قمت بزيارة مخيم الزعتري يوم الأربعاء التاسع عشر من كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث أمضيت يوماً لا أعتقد بأنني سأنساه في وقتٍ قريب؛ فبعد تعريفِ بسيطٍ من زملائي لي بالمخيم وما عليّ أن أتوقع رؤيته فيه، وما يمكنني وما لا يمكنني القيام بتصويره، توجهنا للمخيم الشهير الواقع على مسافة ساعةٍ أو تزيد قليلاً بالسيارة من العاصمة عمّان، وكان من الصعب علي أن أستوعب أن هذا المخيم الذي يضم مائة وعشرين ألف لاجئاً سورياً يزداد عددهم في كل ليلةٍ هو ثاني أكبر مخيمٍ في العالم من ناحية تعداد السكان بعد مخيم “دداب” في كينيا.

 بدا لي المخيم من مسافةٍ بعيدةٍ بخيامه وكرفاناته وكأنه بقعةٌ من الرمال البيضاء وسط الصحارى الشاسعة شمال الأردن، وعندما دخلته كنت متحمساً لمشاهدته ملتقطاً كل ما تقع عليه عدسة كاميراتي، لكن بدلاً من ذلك فقد انتهى بي الأمر بمواجهة الواقع الصعب والاستماع للقصص المحزنة من اللاجئين أنفسهم، وتركت المخيم في نهاية اليوم وأنا على وعي بوضعه، لكن من وجهة نظرٍ مختلفةٍ تجاه أمورٍ لم أكن ألاحظها أو أعيرها اهتماماً على الإطلاق، وقوبلت من جديدٍ بترحيبٍ ولطفٍ كبيرين من السوريين الذين رحبوا بي بضيافتهم المعهودة في مساكنهم.

Zaatari 2

 خلال توجهنا نحو البوابة الرئيسية كان أول انطباعٍ لدي مطابقاً لما كنت قد توقعته من رؤية مخيمٍ يقطنه عددٌ كبيرٌ من اللاجئين، وخلال توجهنا نحو بوابةٍ ثانيةٍ مر بنا عددٌ هائلٌ من الشباب بين سن المدرسة وأعمار أكبر من ذلك يمشون على جانب الطريق، وبعضهم كان يجر كراسي متحركةً بعجلاتٍ دون هدف، قيل لي أنهم يستعملونها لنقل البضائع من مكانٍ لآخر في المخيم مقابل أجور زهيدة. في البداية كنت متحمساً لالتقاط الصور بكاميراتي، لكنني سرعان ما قوبلت بنظراتٍ حادةٍ من الناس نحو الكاميرا، فتذكرت حينئذٍ أنه من الأفضل أن لا أقوم بأخذ الصور من داخل السيارة وتابعت إخفاءها.

 أعدادٌ كبيرةٌ من السوريين يعبرون الحدود السورية الأردنية التي تمتد حوالي 400 كيلو متر إلى الأردن، ويمرون برحلةٍ عصيبةٍ حتى يتمكنوا من الحصول على أي نوعٍ من المساعدات، بعضهم ممن لديهم معارف أو أقارب في الأردن يتركون المخيم أملاً في إيجاد ظروف معيشية أفضل، لكن عدداً كبيراً منهم يبقون في المخيم حتى وإن كان لديهم خيارٌ بترك المخيم لعلمهم أن قراراً كهذا يتطلب إيجاد مصدر دخلٍ لا يملكونه، ومعظم هؤلاء السوريين واجهوا الكثير من العنف والاضطرابات وحتى أن بعضهم تعرضوا للتعذيب أو الإصابات، فوصولهم إلى مخيم الزعتري وحصولهم على الطعام والخدمات لم يأت إلى بعد وصولهم بمأمنٍ إلى الحدود بعد رحلةٍ مضنية.

 يوصل المدخل الرئيسي لمخيم الزعتري إلى شارع السوق الخاص بالمخيم، والذي وجدت فيما بعد أنه يطلق عليه اسم “الشانزيليزيه”، وخلال سيرنا بالسيارة هناك كان من الصعب علي أن أستوعب أنني كنت في مخيمٍ للاجئين؛ فالسوق ذكرني كثيراً بالسوق في دمشق؛ حيث ترى في سوق المخيم أنواع عديدةً من الأعمال التجارية؛ فهناك المطاعم وصالونات الحلاقة ومتاجر الملابس ومحلات الخضار والفواكه ومتاجر الهواتف الخلوية ومقاهي الإنترنت وحتى أنك ترى فيه محلات تجهيز العرائس ونوادي البلياردو حيث يقوم اللاجئون من الشباب بلعب البلياردو والالتقاء سوية، وكل ما ذكرته هنا قام اللاجئون بأنفسهم بإقامته لتشكيل نوعٍ من المتنفس لأنفسهم في مجتمعهم، وهناك حالياً ما يزيد عن سبعمائة محلٍ تجاري تعلم الآن المفوضية العليا لشؤون اللاجئين عن وجودهم.

Zaatari 4

 ولكن يا ترى هل المهارات التجارية التي يتمتع بها اللاجئون هي وحدها ما يؤدي لحصول هذه التغييرات والتطويرات في المخيم؟ إن الانطباع الذي يتشكل لديك في المخيم هو أن الناس يريدون أن يجعلوا المكان أشبه بوطنهم، فهم ليسوا فقط بحاجة المال؛ بل هم أيضاً بحاجة العمل، وذلك لأنهم لا يريدون أن يشعروا بأنهم قد تشردوا في حياتهم، بل يريدون السير في حياتهم قدماً.

 مع بدء إدراك اللاجئين أن الأزمة في سوريا ما زالت بعيدةً عن النهاية وأن أمانيهم بالعودة ما زالت بعيدةً عن الواقع فقد بدؤوا بتطوير ملاجئهم في المخيم وكأنهم يعيشون في وطنهم الذي في حقيقة الأمر هو ما يحصل حالياً، تفاجأت برؤية الفرق الكبير بين من كانوا قد قدموا إلى المخيم منذ عدة أشهرٍ مضت وبين من يعيشون في المخيم منذ أن افتتح منذ حوالي سنة ونصف؛ فمن قدموا منذ مدةٍ أقصر يعيشون في خيمٍ تزدحم كلٌ منها بحوالي عشرة لاجئين، أما من يعيشون في المخيم من مدةٍ أطول فيعيشون في كرفانات وحتى أن كرفاناتهم موصولةٌ بالكهرباء عن طريق التوصيلات التي قاموا بها بأنفسهم بخط التيار الكهربائي الرئيسي.

 كنت سعيداً بأن أرى أن لا ثلج قد تساقط في المخيم، لكنني لا أستطيع أن أتخيل كيف قضى سكان المخيم وخصوصاً من يقطنون في الخيام درجات الحرارة بالغة البرودة والعواصف المطرية الشديدة التي عصفت بالمخيم الأسبوع الماضي، حيث أنه حتى عند زيارتي للمخيم كانت هنالك أجزاء من المخيم ما زالت موحلةً بشدةٍ بسبب الأمطار.

 بشكلٍ عام فإن تجربتي في مخيم الزعتري كانت مثيرةً للغاية ولن تغادر ذاكرتي لوقتٍ طويلٍ من الآن، وأشعر بأنني شخصٌ محظوظٌ لحصولي على فرصةٍ لزيارة المخيم ومقابلة الأشخاص الذين يعيشون فيه والمرور بهكذا تجربةٍ غنيةٍ في هذه السن المبكرة.

Zaatari

Leave a comment

Filed under Awareness Raising & Capacity Building, General

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s