أبحث عن كرامتي

أنا (م.ت)، أسكن في إحدى الأحياء الشعبية وأبلغ من العمر 24 عاماً، ولدت في عائلة بسيطة وفقيرة تفتقر للثقافة العالية؛ فالأب رجل بسيط غير متعلم ضعيف الشخصية لدرجة أنه يدع أخاه الذي يصغره سناً يتحكم بجميع تفاصيل حياته و حياه عائلته، والأم امرأة تقليديه بسيطة تتبع زوجها  في كل شيء وليس لها أي رأي أو تأثير، تعيش كل يوم بيومه ولا تحس بطعم الأيام، فاليوم القادم كاليوم السابق كلها تشبه بعضها… أما إخوتي فهم ليسوا أحسن حالاً من والدي؛ فلا يفرغون طاقاتهم إلا داخل المنزل بتسلطهم على أمهم وأخواتهم، حتى المدرسة الحكومية التي كنت أرتادها والتي من المفترض أن تكون المكان الراقي الذي أخرج من الظلام إلى النور فيه لم يكن كذلك…

 كنت أفكر دائما متى سأخرج من هذا الوضع التعيس؟ هل هذا قدري المحتوم؟ أم هل علي أن أعيش كل يومٍ بيومه كما تفعل والدتي؟ بقيت على هذا الحال حتى الصف الأول الثانوي عندما جاء نصيبي للزواج بطريقة تقليدية؛ عريس لم ألمحه من قبل ولا أدري كيف يفترض بي أن أقضي معه بقية حياتي، لكن والدي الذي لا يهمه إلا “السترة لبناته” استجاب فوراً دون تردد.

 شعرت بالحيرة حيال قرار أهلي تزويجي لهذا العريس، ولكنني اقتنعت بفكرة أنهم أكبر مني و أدرى بمصلحتي، وتمت الخطبة، لكن المفاجأة هو أنه تم تحديد الزواج بعد عشرة أيام ودون حتى أن أجلس مع خطيبي نهائياً، وفعلاً تزوجت في الوقت المحدد وكنت متفائلةً بأن يوم زفافي سيكون نقطة تحول لحياتي نحو الأفضل، ولكن سرعان ما تلاشى هذا الإحساس وتلك الأحلام الوردية عندما قامت والدة زوجي بطرق الباب بعنف والصراخ بي لأقوم وأتبعها فوراً، لحقت بها فإذا بها قد أخرجت كل أدوات المطبخ ورمت بها على الأرض وقالت لي: “قومي بتنظيفها بسرعة ومن ثم نظفي ولمّعي كل المنزل، وهكذا سيكون برنامجك اليومي”، استجبت لها وبقلبي غصة ازدادت عندما استيقظ ابنها ووجدته موافقاً لها ويخشاها، ولم يحتج على إهانتها اللفظية والمعنوية لي، بل كانت والدته تحثه على ضربي ويقوم هو بذلك من أجلها، حتى أنها لم تسمح لي باقتناء الهاتف الخلوي خوفاً من الاتصال بأهلي وإخبارهم بوضعي، رغم أنهم حتى لو أخبرتهم فلن يحركوا ساكناً، وبقيت على هذا الحال لمدة شهرين و نصف تقريباً.

 وفي أحد الأيام كنت متعبةً للغاية، ولاحظت والدة زوجي اصفرار وجهي ومدى التعب الذي كان بادياً عليّ، فأخذتني إلى الطبيب واتضح بأنني حامل، فبدت السعادة على وجهها وكنت أنا سعيدة بذلك لأنني شعرت بأن هذا الحمل سيغير طريقة تعاملها معي. طلبت حماتي مني عدم إخبار زوجي لترتيب مفاجأة، لكنني عندما عدت إلى المنزل استرحت في سريري حتى جاء زوجي؛ فبدأ بنقاش كان الهدف منه افتعال مشكلةٍ معي، فانتهى بضربي حتى سقط الجنين…

 بعد هذه الحادثة بثلاثة أيام قام زوجي بطردي من المنزل دون رحمة، فطلبت منه أجرة الطريق فلم يعطني ولم يسمح لي حتى بالاتصال بعائلتي، فتدبرت أمري بعشرة دنانير كنت لا أزال أحتفظ بها منذ زفافي، وخرجت إلى الشارع أبكي وأنا لا أعرف الطريق… فأوقفت سيارة أجرةٍ وطلبت من السائق أخذي إلى بيت أهلي، فأشفق علي وحاول أن يستدل طريقه لبيت أهلي خصوصاً وأنني لا أعرف كيف أصل، في النهاية أوصلني فعلاً إلى منزل أهلي الذين استقبلوني بمنتهى البرود، ومكثت عندهم لمدةٍ تزيد قليلاً عن الثلاثة شهور حتى قرر زوجي أخيراً وبعد انقطاع طويل منذ تلك الحادثة أن يُرجِعَني، فما كان من والدي إلا أن وافق وقادني إليه كالشاة دون أن يعاتبه أو يبدي انزعاجه، بل على العكس تماماً تأكد زوجي من أن أهلي لا يكترثون لأمري حتى ألجأ إليهم إن هو أخطأ في حقي.

 هذه المرة لم يمانع زوجي ووالدته من أن أسكن في التسوية، ولكن حماتي رفضت إعطائي غرفة نومي واكتفت بإعطائي فرشتان و تلفازاً معطلاً وبساطاً صغيراً، لكنني لم أكترث لأي من ذلك لأن أمي وأخواتي قمن بجمع بعض الأشياء المستعملة من بيوتهن وأرسلوها لي، لكن زوجي لم يقبل أن يطعمني أو حتى أن يزودني بأيٍ من ضرورات الحياة، كل ذلك حتى أتوسل إليه كي يعيدني لأعيش كجاريةٍ عند والدته ووالده المريض، بعدها بقيت أحاول أن أعيش بما تبقى لدي من طعامٍ حتى نفد، وبعد أن بقيت يومين دون أي لقمةٍ في جوفي جاءت زوجة أخ زوجي لتطمئن على حالي وفوجئت بإيجادها لي محبوسةً في التسوية دون طعامٍ أو تدفئة، فأحضرت لي بعض الطعام وأدخلته لي من النافذة، وعندما اكتشف زوجي ذلك قام بضربي وتهديدي بالطلاق، حزنت زوجة أخ زوجي كثيراً من أجلي فقامت بتهريبي، ثم قامت بإدخال شخصٍ ليتواسط بيني وبين عائلة زوجي لإنهاء المشاكل الحاصلة، لكن وبمجرد مغادرته منزل العائلة قام زوجي ووالدته بطردي من المنزل بحجة أن “الزوجة التي تخرج أسرار بيتها لا تلزمهم”، علم أخي بما حصل فجاء لاصطحابي و ترافقني وصمة العار التي تلحق بالمطلقة في مجتمعي.

 اضطررت للعيش فترةً عند عمي في محافظةٍ أخرى ريثما أتجاوز المحنة التي مررت بها، لكنها زادت حيث أصبت بمرضٍ تطلب إجراء عمليةٍ جراحيةٍ عاجلةٍ تأخرت كثيراً بسبب عمي الذي كان بدوره يهينني ويعاملني كالسجينة، حيث لم يسمح لي بالخروج من غرفتي وقام بضربي وإهانتي باستمرارٍ لمدة ثلاثة أشهرٍ بقيت فيها محبوسةً عنده إلى أن جاء أخي واصطحبني ثانيةً لمنزل أهلي، لكنني هذه المرة عدت بحالةٍ يرثى لها لا أقوى على الكلام وأصبحت انطوائيةً ومكتئبةً طوال الوقت، إلى أن تم فتح مكتبٍ جديدٍ مقابل منزلنا فحاولت أخواتي إقناعي بأن أعمل لدى هذا المكتب كعاملة نظافة لأساعد نفسي وعائلتي من ناحية، ولأخرج من جو عائلتي الملتهب من ناحيةٍ أخرى، فقمت بذلك وباشرت العمل في ذلك المكتب فوجدت فيه ملاذاً للراحة، وبدأت أختلط بالناس شيئاً فشيئاً، وأصبحت أقوم بالمقارنة في التعامل مع الأشخاص المثقفين بالتعامل مع غير المثقفين فقررت أن أتعلم من ذوي الثقافة والخبرة قدر استطاعتي، وبدأت بفضل عملي أشعر بأنني إنسانةٌ فاعلةٌ في هذا المجتمع، ولذلك ولأول مرةٍ أجد نفسي عازمةً على  المضي بحياتي و قراراتي ما استطعت دون الخضوع لأحد، وكلي أملٌ بأن الله فتح لي هذا الطريق ليفرج همي ويفتح لي أبواباً لمستقبلٍ أعيش فيه بكرامةٍ كما أستحق.

Leave a comment

Filed under General, Mobility, Shelter, Work

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s