سر القوة

في كل ملتقىً لجمعٍ من الناس أكون فيه، أو مستشفىً أزوره، أو جمعيةٍ أتردد عليها، أنظر إلى عيون السوريين لأرى: هل هناك من أحدٍ أعرفه؟ فإن صادف ووجدت أحداً أعرفه فإنني أسأله على الفور: متى هاجر؟ وما هو حال الوطن الآن؟ وماذا كان آخر ما رآه؟ وهل بقي في وطني حياة؟…

 وفي أحد الأيام وفيما كنت أصطحب ابني إلى إحدى المنظمات وإذا به يصيح متفاجئاً: أمي انظري من هناك؛ جارنا “أبو معتز”! فتذكرت حينها عندما كنت أراه من شرفة منزلي وهو عائدٌ من المسجد، يستدل طريقه بالعصا التي يحملها لتعوضه عن عينيه الضريرتين، وأرقب خطواته المتوازنة، وكيف أنه يعلم تماماً كيف يقطع الطريق، وكم خطوةً يحتاج للوصول لبيته، وأين يتوقف ليسلم على الناس، ثم يتبادل الحديث قليلاً مع أهل الحي ويمضي في طريقه دون أن يخطئ السير…

 برغم كل ما ذكرته إلا أن أهم ما أتذكره عن أبو معتز هو تلك الليالي التي كانت تنهال فيها القذائف على الحي، ليبدأ الجميع بالتكبير، وغالباً ما كان صوته أول صوتٍ نسمعه عالياً: “الله أكبر”.

 بدايةً كنت أستمع فقط وأشعر بقوة صوت أبي معتز، وكأنه يكبّر ليشعرنا بأن الله أكبر من تلك القذائف المدوية، ومن الرعب الذي تتركنا فيه، ومن العالم المتخاذل من حولنا، فلا أستشعر في صوته الجهوري خوفاً على أولاده الثمانية؛ بل أجد فيه الرجل الواثق بأن ما سيحصل لنا هو بأمر الله الذي يفوق الجميع قوة، فأبدأ بالتكبير مع أولادي حتى يعلو صوتنا على صوت القذائف والتفجيرات، ولا زلت إلى الآن أتذكر كم كنا في غمرة ضعفنا أقوياء، وما زلت أؤمن حتى الآن بأن سر القوة يكمن في مقاومة الرصاصة بالكلمة.

– أم أديب

Leave a comment

Filed under General

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s