علاج الروح

تقول لي أمي : “ألستم معالجين نفسيين مسؤولين عن ترميم نفسيتنا المنهكة ؟! حسناً، سأسهّل عملكم وأدلّكم على مفاتيح تفتحون بها مخازن همومنا لتنفرج تلقائيّاً؛  أدّوا لنا ما يؤرقنا، هاتوا لي ابنتي وبناتها من سوريا؛ فهذا هو الحل الناجع الوحيد للتعامل مع هشاشة أرواحنا، وإلّا فلا تحاولوا؛ فأي عملٍ قد تقومون به دون ذلك سيذهب هباءاً”.

طأطأتُ رأسي وابتسمت ابتسامةً حانية أخفيت وراءها تأثراً عميقا؛ فأنا لا أملك جواباً لطلب أمي الذي قد يبدو لمن لا يعلم بسيطاً جداً…

أختي عالقة على الحدود منذ ما يزيد على الشهرين، نحاول إطفاء فيض أشواقنا إليها بسماع صوتها عبر شبكات الجوال ضعيفة الإرسال، في حال تكرّمت علينا هذه الأخيرة… ومن ناحية أخرى أجدني أبتسم ابتسامة العارف المتحدّي؛ فكيف لهذه المرأة الخمسينية – أمي الجميلة – أن تختصر كلّ علم النفس و طبّه بمثل هذا الطلب؟

ومرّت الأيّام… وذات يومٍ في العيادة التقيت بمريض، ربّما ساقه القدر لي ليثبت أنّ تلك المرأة الخمسينية التي سخرت من كلامها بداخلي يوماً أحكَم منّي فيمَ نصّبتُ نفسي حكيمة فيه… رائد شابٌ في مطلع الثلاثينيات من عمره، نالت منه الحرب الدائرة في سوريا ككثيرٍ من أبناء وطني؛ فأخذت عينه اليمنى وتركت إصاباتٍ بليغة في أجزاء أخرى من جسده… إلّا أنّ كلّ ذلك على الرغم من شدة وطأته  يهون أمام مصابه الأكبر، بنظره وبنظر كلّ أبٍ يرى في أبنائه جُلَّ هذه الحياة وأسمى معانيها؛ فأولاده الأربعة مازالوا حتى لحظة رؤيتي له يعيشون في سوريا، ربما لا زالوا على قيد الحياة لكنّهم لا يستظلّون سوى بسقف بيت عتيق، يظلّهم من وابل قذائفٍ وصواريخ تتساقط يوميا، لا تميّز بشراً عن حجر، ولا مقاتلاً عن طفل… وأنّى لهذا السقف أن يحمي!

يقيم رائد برفقة أمّه فقط في سكنٍ خُصص لجرحى الحرب، يسلّي نفسه و يُصابر ما دام ناسياً همّه الأكبر، إلّا أن دموعه تسبقه بمجرّد سماع لفظة “سوريا” أو “درعا” أو “قصف” أو “قتل”… يشعل التلفاز لعلّ فيه خبراً يشفي غليله، فيقع بصر عينه الوحيدة على مئاتٍ من الأطفال قضوا صامتين دون شفقةٍ ولا رحمة، في وطنه سوريا، فيظنّهم للحظةٍ أولاده، فيبكي ويبكي ويكاد يموت قهراً على قهر…

في غمرة انشغال أمه عنه يمسك رائد مشطاً بلاستيكياً يحفّ به بطنه معتقداً بحدّته، أسأله لماذا؟ فيجيبني قائلاً: “حاولت أن أفتح بطني لأخبّئ أبنائي فيه، فأحميهم من الموت”. حتّى لو كان ذلك صحيحاً، كيف سيجدون أو ستجد سبيلاً للقاء؟ آهٍ ما أشدّ معاناتك يا رائد، وأنا التي قد جرّبتها وتجرّعت مرارة شبيهة مع أنّها أخف لذعاً، أفكّر فيمَ تعاني و في خضمّ ذلك تدور في رأسي كلمات تأتي كومضات، مثل: إنسان، حقوق، حالات إنسانية، ضمير، جيران، سلام، عالم، رحمة، متحدة، حب… فأعجزُ عن وضعها في جملة تفيد البشريّة، وأعجز عن إيجاد صلة لها بعالمنا أصلاً…

-إيمان د.

Untitled

Leave a comment

Filed under General, Health

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s