فقدت عقلي… و فقدت نفسي

لطالما اعتدت أن أتنّفس الحياةَ بأزكى عبيرها، وأنظرُ لها بعين التفاؤلِ والأمل، يزيّنها لي منظرُ زوجي وأولادي من حولي يكبُرون و ينحتون ذكراً طيّباً لهم في صخور دروب الحياة الطويلة بدأبهم المتواصل للعلمِ والعمل، وظلّت الحياة كذلك إلى لحظةٍ انقلب فيها كلّ شيء… لحظةً ما عدتُ أدري لها تاريخاً؛ فقد زحف شبح الحرب ليصل قريتنا الوديعة… و حلّ فيها موسم الهطول… وما كان بهطولِ مطرٍ وخيرٍ واخضرار… إنّما قذائفٌ وقتلٌ ودمار…

وعلى نقيض موسم الخير الذي يأتي مُسرعاً و يغادرُ مُسرعاَ، فقد ظلّ موسم الدمار جاثماً يؤرقنا، لا يفارقنا، إلى أن قررنا بالنهاية أن نفارقه نحن، بعد أن أخذت منّي  الحرب أحد أبنائي عنوةً، أرجو ربّي أن يتقبّله من الشهداء… فركبنا سيّارتنا في صبيحة أحد الأيّام هائمين على وجوهنا لا ندري أينتهي ما نحن فيه من كابوس؟ إلّا أنّ الردّ جاءنا سريعاً بكابوسٍ أفظع، ففد خرَّ صاروخٌ ساقطاً بجانبنا، وكان لسيّارتنا النصيب الأكبر مما أحدثَ من ضرر، ولم تضم كومة الحديد هذه سوى أحشاءنا الغضّة. وكم كلّفني هذا الصاروخ من ثمن؛ ابني الآخر وابنتي، لفظوا آخر أنفاسهم بين يديّ… و أنا من شدّة الضربة التي تلقّاها رأسي في ذهول… بل أنا في ذهول أكثر من هول ما أرى. ومنذ ذلك الحادث بتُّ في عالمٍ آخر، وما هي إلّا أيّام حتّى أصبحتُ في مكانٍ آخر؛ فقد أسعفني أحدهم إلى الأردن، ولم يشفع لي وجودي في مكانٍ آمن أن يتوّقف حبلُ خسارتي؛ فبعد فقدي أبناءي الثلاثة فقدت الآن عقلي…

بقيتُ وحيدةً في أرض اللجوء، ثم ساقني قدري و قدرُ جيراني الأوائل في بلدتي السوريّة لأن أجتمع بهم، وعلى الرغم من أنني أضحيتُ لا أعرفهم فقد اعتنوا بي بعد خروجي من المستشفى. وعلى الرغم من أنّني مصدر أذى مُحتَمل لهم ولأطفالهم ولصفاء دقائق حياتهم التي لم تعُد تخلو من صراخي وهذياني وطلباتي المستمرّة… على الرغم من كلّ ذلك مازلت أمكث في شقتهم المتواضعة والتي تكاد تخلو من أدنى ما تقوم به حياة إنسان… يكابرون على أنفسهم لتأمين لقمة عيشهم، وعيشي، ودوائي… فتارة أأبى أن أنام، إلى أن ينجحوا بعد ألف حيلة وحيلة بوضع حبّة المنوّم في طعام أو شرابٍ أبتلعه رُغماً عنّي، وتارة أُلح بطلبِ خالي الذي يقيم في دولةٍ أخرى، فأسألهم عنه مراراً وتكراراً، وتضجّ الحارة بصوتي يناديه، لكن هيهات منه السمع، و هيهات منه الجواب… وتارة أخرى أصرُّ على النزول للشارع لعلّي أجدُ فيه مُتنّفساً لآلامي أو مؤنساً لوحدتي؛ فألتقي ابناً فقدته أو زوجاً لا أدري عنه شيئاً، ولا هو يدري ولا حتّى يحاول أن يسأل…

وفي كل مرةٍ يحاولون منعي خوفاً عليّ من تصرفٍ طائش أو ضياع في متاهات المكان بعد أن ضعت في متاهات الزمان، وأنا فاقدة العقل، ناكرة المعروف، لا أعي لهم دافعاً إلّا أنهم يحاولون صد كل فرصة تجعلني، كما أعتقد، أرتاح؛ فأشتمهم، بل وأضربهم أحياناً، وعلى الرغم من كلّ ذلك فهم صابرون، يتحملّون منّي الأذى ولا يوفّرون جهداً في رعايتي والبحث عن طبيب يعالجني.

 – كتبت الطبيبة القصة وكأنّها على لسان المريضة لتبيّن مدى معاناتها، وهي طبعاً غير مدركة لوضعها على الإطلاق ولا تعرف من حولها  وفقدت ذاكرتها، ومصدر القصة هم جيرانها الذين يرعونها.

– إيمان د.

Leave a comment

Filed under Health, Shelter

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s