نظرة عن كثب على عمل موظفي الإغاثة في مخيم الزعتري

بقلم: سيلين زنانيري – متدربة في منظمة أرض-العون القانوني و أوكسفام- بريطانيا في الأردن

 دفعت الظروف الحتمية لتحويل ما كان مجرد بقعةٍ قاحلةٍ شحيحة المياه في الصحراء العام الماضي لما أصبح الآن رابع أكبر تجمعٍ سكنيٍ في الأردن، التجمع الذي يضم حشداً هائلاً من اللاجئين الذين فرّوا من وطنهم سورية المشتعلة بنار الحرب مكوّنين ثاني أكبر مخيمٍ للاجئين في العالم؛ المخيم الذي يضم فيه ما يقارب المائةً وعشرين ألف لاجئٍ مسجلين يقطنون في هذه المدينة المنشأة على عجل، المعروفة ب”مخيم الزعتري” الشهير. يتلقى المخيم مساعداتٍ ومعوناتٍ من جهاتٍ مختلفةٍ حول العالم لتزويد سكانه بحاجاتهم الأساسية من الطعام والصحة العامة والرعاية الصحية والتعليمية والتعبئة المجتمعية، فيما أخذت منظماتٌ عالميةٌ كالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين وأوكسفام على عاتقها إيصال هذه المعونات من خلال موظفي إغاثةٍ مدربين جيداً لمساعدة الناس في هذه الظروف على نحوٍ عادلٍ وأخلاقي.

 بدا واضحاً لي بعد زيارتي لمخيم الزعتري وتبادلي للنقاشات مع عددٍ كبيرٍ من موظفي الإغاثة هناك بأن العمل في المنظمات الإغاثية هو تحدٍ كبيرٌ وصعب خصوصاً في مكانٍ مثل مخيم الزعتري؛ فعلى موظفي الإغاثة أن يكونوا قادرين على العمل ضمن معايير مهنيةٍ ولكن إنسانيةٍ في الوقت ذاته طوال الوقت في بيئةٍ قاسيةٍ ودائمةٍ التغيير، محاطين بتعدادٍ سكانيٍ يزداد أحياناً بمقدار ألف شخصٍ في اليوم. يتطلب هكذا نوعٍ من العمل إخلاصاً لا متناهياً في الدرجة الأولى؛ حيث أن على العاملين أنفسهم أن يكونوا قادرين على التأقلم جيداً في هكذا بيئةٍ مليئةٍ بالتحديات ليتمكنوا من تقديم المساعدة الضرورية لمئات الآلاف ممن هم في أمس الحاجة لها، وتصل الصعوبة في هذا الأمر ذروتها عندما يكون التمويل غير كافٍ في ظل زيادة الحاجات بشكلٍ كبيرٍ عن المصادر المتوفرة.

 لا يزال على المجتمع الدولي إيجاد حلٍ لإنهاء الصراع الوحشي الدائر في سورية والذي أدى لنزوح هذه الأعداد الكبيرة من السكان، سيما وأنه لم يتمكن بعد من توفير المساعدة الكافية لضحايا هذا الصراع، وأن زيادة حاجة الناس تتسارع بشكلٍ أكبر بكثير من الدعم اللازم، ونتيجةً لذلك فإن المنظمات الإغاثية وبشكلٍ أخص موظفيها يقدمون المساعدة لعددٍ أقل بكثيرٍ من الناس الذين عليهم مساعدتهم أو يرغبون بذلك، وكل ذلك بسبب قلة الدعم المقدم. في المقابل فإنه عندما لا يتمكن موظفو الإغاثة من تلبية حاجات اللاجئين الأساسية ، فإن ذلك قد يؤدي لعددٍ آخر كبيرٍ من المشاكل كالتخريب والسرقة وغير ذلك من الأعمال التخريبية.

 أمرٌ طبيعيٌ أن يقوم شخصٌ فضوليٌ مثلي بالتساؤل عن السبب وراء ترك العديد من موظفي الإغاثة وظائف مستقرةً كانوا يشغلونها في مكاتب مريحةٍ ومكيفةٍ بملء إرادتهم للعمل في بيئةٍ بدائيةٍ مليئةٍ بالضغوطات مقابل مزايا أقل، ولكن كان هناك شعورٌ واضحٌ مشتركٌ بين موظفي الإغاثة الذين حظيت بفرصة الحديث معهم وهو أنهم يلمسون مدى نبل هدف هكذا عمل ويزوّدهم بفرصة القيام بالتغيير، فهي أكثر بكثيرٍ من مجرد وظيفةٍ تمكنهم من دفع فواتيرهم، بل إن لها معاني حقيقيةً تنعكس عليها قيمهم وشغفهم بما يقومون به، فكون المرء قادراً على أن يساعد من هم بحاجةٍ حقيقيةٍ وماسةٍ للمساعدة يعطي هؤلاء الموظفين شعوراً مجزياً مقابل تعبهم، شعوراً بالرضا التام.

 لكن بقدر ما يمكن أن يظهر تمكن الشخص من أن يكون له دورٌ في تغيير العالم للأفضل فاتناً فإنه بالتأكيد ليس بالأمر السهل؛ فموظفو الإغاثة مضطرون للمرور بالكثير من الظروف الصعبة جسدياً ونفسياً، بالإضافة إلى أن عليهم أن يعيشوا معظم وقتهم في ظروفٍ معيشيةٍ كالتي يعيش فيها اللاجئون أنفسهم، أما على الصعيد العاطفي فإن الأمور التي يواجهها موظفو الإغاثة من تجربة اللاجئين في مواجهة الموت والتهجير والدمار بشكلٍ مباشرٍ وغير مباشرٍ يمكن أن يكون لها أبلغ التأثير على الأشخاص. الأحلام والنفسيات المحطمة والكرامات المهدورة والمستقبل المحكوم عليه بالضياع والواقع الغائب هي واقعٍ يوميٌ يعاني منه اللاجئون في المخيم وبالتأكيد فإنه من الممكن أن يؤثر بشكلٍ شخصيٍ ومباشرٍ على موظفي الإغاثة. علاوةً على ذلك فإن حاجات وتطلعات  السوريين تتعدى تلبية حاجاتهم الأساسية من غذاءٍ وماءٍ ومأوى، مما يتطلب من موظفي الإغاثة أن يتعاملوا مع هذه التوقعات حتى يمكنهم التعامل مع السوريين بالاحترام والكرامة التي يستحقونها. لكن بالنتيجة فإن بعض موظفي الإغاثة في مخيم الزعتري لا يقدرون على تحمل التثبيط الذي تتعرض له نفسيتهم في هذا العمل لدرجةٍ قد تؤثر على حياتهم الشخصية مما يؤدي بهم في نهاية المطاف لترك العمل، فيما يوجد من وجدوا في أنفسهم القدرة على الفصل تماماً بين حياتهم الشخصية وبين عملهم في المخيم.

 حالياً فإن أكثر ما يشكل تحدياً خاصاً في العمل في مخيم الزعتري هو حلول شهر رمضان المبارك والذي يصوم فيه المسلمون من الفجر حتى الغسق، وحتى غير المسلمون فإن عليهم الامتناع عن الأكل والشرب في وضح علناً، فيما يمكنهم ذلك سراً، وبالتالي فإن الامتناع عن شرب الماء في درجات حرارةٍ تتفاوت بين 35 و 42 درجةً مئويةً في صحراء الأردن من شأنه أن يضيف عبئاً جسدياً لمن يتعرض له. برغم كل ذلك فإن موظفي الإغاثة يرون شعاع النور في نهاية النفق المظلم نتيجة الرضا الذي يشعرون به لقاء مساعدتهم لمن هم بحاجةٍ لذلك.

 أخيراً فإن الوقت الذي قضيته في مخيم الزعتري أعطاني فهماً لما يعطي لهذا المخيم معناه الحقيقي؛ أنه مخيمٌ معزولٌ ويولد شعوراً مفجعاً لدى من يزوره، حيث دُفع بالكثير من الناس إلى أرضٍ قاحلةٍ وأجبروا على إعادة هيكلة حياتهم ليعيشوها بشكلها الاعتيادي من الصفر، لكنها في نفس الوقت منزلٌ يضم عاملين إنسانيين أخذوا على عاتقهم القيام بدورهم إلى أبعد حد، وتقديم ما لديهم على أكمل وجه، يريد هؤلاء الإنسانيون بإخلاصٍ فقط أن يقدموا المساعدة وأن يحققوا التغيير بأي شكلٍ ممكن، وفي النهاية فإن بعض القصص الإنسانية الأكثر تأثيراً تأتي من هكذا أماكن مؤلمة.

PHOTO- AL ZAA'ATARI (2)

Leave a comment

Filed under General

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s