شقائق النعمان

في أحد الأيام وبينما كنت في زيارةٍ لي لمخيم الزعتري شاهدت عائلةً مكونةً من أمٍ وبناتها الثلاث وابنها الوحيد، وقد كانوا في تلك اللحظة يستعدون لترك خيمتهم والانتقال إلى الكرفان الذي تم منحه لهم، فأخذت أساعدهم في نقل أشيائهم إلى الكرفان الجديد. شيءٌ ما أثار فضولي بشدة، وهو أن الولد واسمه عمر حرص قبل كل شيءٍ على نقل شيئين: دلوٌ صغيرٌ أشبه بدلو اللبن، وقطعة مقصوصةٌ من حصيرةٍ يغلب عليها اللون البني القاتم، فسألته: “لماذا تحتفظ بهذا الدلو البالي والمكسور؟ وبهذه القطعة من الحصير؟ الأجدر بك أن ترميهم في القمامة”، فعقبت والدته قائلةً: “حتى عندما كنا نجتاز الحدود زحفاً فإنه كان يحرص على إيصال الدلو قبله”، فنظر إلي عمر قائلاً: “إن لهذين الشيئين قصةً لو علمتها لقمتِ بتقبيل الدلو ولاحتفظتِ بقطعة الحصير ما حييت”!

أخذ عمر يقص عليّ القصة قائلاً: “عندما كنا في سورية نزلت علينا شظيةٌ جراء القصف المستمر أحدثت فتحةً صغيرةً في سقف منزلنا، فقرر والدي أن يسدها بطريقةٍ مؤقتةٍ ليحمينا من تسرب مياه المطر فأخذ هذا الدلو وبعض أكياس النايلون وخرج وهو يقول لنا: “إياكم وأن تلحقوا بي إلى السطح”، ثم أخذ يحشر الدلو في الشرخ الموجود في السقف مدعماً بأكياس النايلون لسده. مضى بعد الوقت دون أن ينزل أبي، وبينما نحن بانتظاره وإذا بقطراتٍ حمراء اللون تقطر من الشرخ على قطعة الحصير، هرعت أنا وأمي إلى السطح لنجد أبي مستلقياً بسكونٍ فوق الدلو مالئاً إياه بدمائه الزكية… فقمت بقص قطعة الحصير لأفسح المجال لتنبت مكانها أزهار شقائق النعمان؛ فقد كان أبي دائماً يقول لي أن الأبرياء الذين يقتلون دون سببٍ أينما يقطر دمهم تزهر شقائق النعمان، وأنا أسأل أمي كل يومٍ كم نمت شقائق النعمان في بيتنا؟”

– عائشة

شقائق-النعمان

Leave a comment

July 8, 2013 · 5:13 pm

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s