الضربة التي لا تكسرك: تجعلك أقوى

تعصف الحروب والأزمات بكل من يتفيأ ظلالها، فلا تفرق بين كبيرٍ وصغير، ولا بين غنيٍ وفقير، ولا بين متعلمٍ وأمي… الدكتورة رنا التركماني طبيبةٌ سوريةٌ جاءت من حمص حفاظاً على حياتها هي وزوجها الصيدلاني وطفلها ذو العامين، حيث كانت تملك منزلاً كبيراً ولديها دخلٌ هي وأسرتها يغنيها حتى عن مجرد التفكير في أن كل هذا قد ينمحي من الوجود في غمضة عين، لكن للأسف هذا هو ما حصل…

 تقول الدكتورة رنا: “كنت أعيش حياةً مرفهةً في مدينتي حمص؛ حيث كان دخلي لا يقل شهرياً عن ما يعادل خمسة آلاف دينارٍ أردني من عملي كطبيبةٍ ومعالجةٍ فيزيائية ومن الصيدلية التي يملكها زوجي… بدأت الأزمة في سوريا ولم يعد همي إلا أن أساعد الناس وأداوي الجرحى دون أي مقابل، فأرواح الناس لا تقدر بثمن، لكنني ولمحاولتي مساعدة الناس وإنقاذ أرواحهم تعرضت للتهديد أكثر من مرة، إلى أن قصف منزلي وتهدم بالكامل، وسحقت سيارتي تحت عجلات دبابة، وكل ذلك أمام عيني… حتى صيدلية زوجي قصفت بالكامل، فلم يعد لنا إلا أن نترك كل ذلك الحطام خلفنا ونأتي هاربين إلى الأردن”.

 وبرغم كل ما مر بها، لم تستسلم الدكتورة رنا لليأس، بل إنها قد وظفت كل خبرتها وقدراتها لمساعدة اللاجئين السوريين في الأردن؛ فبدأت بتأسيس مركز علاجٍ فيزيائيٍ في إربد، ثم قررت بسبب الحاجة الملحة للرعاية الطبية في مخيم الزعتري أن تنشأ مجمعاً طبياً بدأت بالعمل فيه بدايةً داخل كرفانٍ واحد تقوم فيه بالعلاج الفيزيائي وتضميد الجروح، إلى أن توسع المشروع تدريجياً ليصل إلى مجمعٍ مؤلفٍ من سبعة كرفاناتٍ يعمل فيه طاقم طبيٌ كامل مؤلفٌ من أربعة وعشرين طبيباً تختلف تخصصاتهم بين أطباء الأطفال والداخلية والنسائية والمعالجين الفيزيائيين وتخصصاتٍ أخرى، إضافةً لصيدليةٍ يتم شراء ما يلزم من أدويةٍ فيها من التبرعات الخجولة التي تأتي للمجمع. وإضافةً لإشرافها على هذا المجمع بشكلٍ كامل فإن الدكتورة رنا تعمل على الإشراف على حالاتٍ من اللاجئين في الرمثا وإربد ولواء الطيبة.

 وخلال حديثنا عن الصعوبات التي يواجهها المجمع في عمله تدخل أحمد رسلان، وهو لاجئٌ سوريٌ ساعد الدكتورة رنا على تأسيس المشروع منذ البداية وما زال يساعدها في تنظيم المجمع والإشراف على احتياجاته، قائلاً: “تحاول الدكتورة رنا قدر المستطاع أن تبقي المجمع مفتوحاً ومجهزاً لاستقبال الحالات في أي وقتٍ برغم الظروف الصعبة حتى ولو اضطرت أن تموله هي بنفسها فقط من أجل أن يبقى شرياناً ينبض بالحياة والأمل داخل المخيم من أجل مساعدة السوريين، وخصوصاً في ظل الضغط الكبير الذي تتعرض له المستشفيات الأخرى حيث أنها أصبحت غير قادرةٍ على استقبال وعلاج جميع الحالات”. في الوقت الذي رأيت فيه بنفسي وصل استلام حوالةٍ ماليةٍ من عائلة الدكتورة رنا التي تعيش في السعودية، أخبرتني الدكتورة أنها دفعت ما يزيد عن نصف المبلغ الموجود فيها لسداد الديون المتراكمة لقاء مصاريف المجمع الطبي.

 وأصرت الدكتورة رنا على مشاركتنا بمشروعٍ تعمل عليه حالياً وتنتظر الدعم اللازم له، فتقول: “هناك ما يزيد عن مائتي حالة إعاقة شديدةٍ شخصتها بنفسي في المخيم بين الأطفال فقط يصل بعضها إلى الشلل الدماغي، ولا يتوفر هناك الكثير من الكوادر الطبية المؤهلة للتعامل مع هكذا حالات وحتى أن أهاليهم أنفسهم لا يعرفون كيف يتعاملون معهم حيث تلزمهم عناية خاصة، فقمت بإعداد دراسةٍ كاملةٍ تشمل النواحي المالية واللوجستية والكوادر اللازمة لإقامة مركزٍ طبيٍ خاصٍ بهذه الحالات، وإذا تمت الموافقة على هذا المشروع فإن بإمكاني مباشرة العمل عليه غداً”.

 في النهاية ختمت الدكتورة رنا حديثها لفريق صوت، قائلةً: “أوجه رسالةً أطلب فيها من العالم ليتحرك ضميرهم تجاه السوريين، تجاه الأطفال المرضى، تجاه الأم التي يحترق قلبها على طفلها المريض، نريدهم أن يعلموا بأن السوريين ليسوا جوعى، بل هم بحاجةٍ لمن يقف معهم، بحاجةٍ لمن يداوي جروحهم وآلامهم الجسدية والنفسية. نشكر الأردن بدايةً من قائدها الملك عبد الله بن الحسين لاحتضان السوريين على الأراضي الأردنية في هذه الأزمة، ونشكر كل القائمين على مساعدة السوريين وخصوصاً في مخيم الزعتري، ونطلب من كل شخصٍ لديه ضميرٌ أن يلتفت التفاتة، لو فقط التفت كل شخصٍ التفاتةً لهذا المشروع ولما نقوم به فستكون أمور هذا المجمع الطبي أفضل حالاً”. تعجز الكلمات عن وصف العزيمة الجبارة التي تملكها الدكتورة رنا ومن هم مثلها – وهم ندرة – لتحويل ألمهم لأمل، ويأسهم لتفاؤلٍ بالخروج من الأزمات التي تعصف بهم أقوى وأكثر خبرةً بالحياة، تاركين بصمةً تثبت أن “الضربة التي لا تكسرك؛ تجعلك أقوى”.

clinic 3 clinic 1 clinic 2

Leave a comment

Filed under Health

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s