في خدمة العِلم

كان باسل يدرس الهندسة الزراعية في جامعة دمشق، يعد اللحظات حتى يتخرج من جامعته ليكون عضواً فاعلاً وينفع أهل مدينته درعا و وطنه سوريا، حيث لم يكن قد تبقى على تخرجه إلا ما يزيد على عامٍ بقليلٍ عندما اتصل به والده المقيم في السعودية ليخبره أن عليه أن يترك سوريا هو و والدته وأشقاؤه الستة ويتوجهوا إلى الأردن، غير تاركٍ أي بصيص أملٍ لأحلام باسل في التخرج من الجامعة على الأقل؛ خصوصاً وأن باسل كان يواجه الكثير من المشقة في آخر فصلٍ درسه في الجامعة.

جاء باسل مع أهله إلى مخيم الزعتري منذ قرابة شهرٍ قضى أكثره في البحث والسؤال لدى المدارس داخل المخيم على فرصةٍ له للعمل كمدرسٍ في إحداها؛ فلديه خبرةٌ في تدريس طلاب المدارس من مراحل مختلفة وفي عدة مواد دراسية، ولديه الرغبة في التدريس لينفع أبناء بلده من الجيل القادم من جهةٍ وليتمكن من المساعدة في إعالة عائلته من جهةٍ أخرى، إلا أن أحداً لم يرغب بتعيينه لأنهم اعتبروه غير مؤهلٍ كونه لم يدرس أياً من هذه التخصصات في الجامعة كتخصصٍ مستقل، يقول باسل: “عمري الآن ثلاثةٌ وعشرون عاماً، قضيت ثمانية عشر عامٍ منها في الدراسة وهذا فعلاً كل ما أفقه فيه ولدي القدرة على القيام به، فأنا لا أملك المعرفة في أي عملٍ آخر، كل ما أعرف القيام به هو طلب العلم وتقديم ما أملكه منه لمن هم بحاجة له. كل ما فعلته المدارس التي تقدمت للتدريس فيها داخل المخيم هو رفضي دون أن يفحصوا قدراتي حتى! برأيي يجب أن يكون هناك فحص مستوىً على الأقل لمعرفة مدى تمكن المتقدمين من أداء المهمة على أكمل وجه، وأنا واثقٌ من قدراتي”.

ونظراً لأنه شاب جامعيٌ ومثقف، وجد باسل في نفسه مسؤوليةً تجاه أبناء بلده ممن يقطنون في المخيم؛ فيقوم بتوعية الأطفال بأهمية النظافة والحفاظ على النظام والترتيب، ويشجعهم على الذهاب إلى المدرسة، علاوةً على ذلك فإنه اجتماعيٌ ولديه حسٌ بالمسؤولية، فيحاول التواصل مع المنظمات داخل المخيم ومساعدة الناس على الحصول على فرصةٍ لتلقي العلاج الذي يشتكي اللاجئون دائماً من قلة توفره بالكميات المناسبة… كل هذا جعل باسل يكوّن في غضون شهرٍ أو أقل علاقاتٍ قويةً مع الناس لدرجةٍ جعلتهم يختارونه كـ”رئيس شارع” للمنطقة التي يسكن فيها، حيث يتواصل بشكلٍ مباشرٍ مع مائةٍ وثلاثين عائلةٍ يستمع لمشاكلهم ويحاول التواصل مع كل من لديه الحل المناسب لكل مشكلةٍ على حدة.

وبرغم صعوبة الظروف التي يمر بها باسل، فهو مع أنه جامعيٌ إلا أنه لم يتخرج بعد، مما يضعه في منطقةٍ صعبةٍ بين البينين، وعدم توفر فرصة عملٍ له، وشعوره بالمسؤولية تجاه عائلته، والنقلة النوعية بين حياته في منطقةٍ زراعيةٍ ودراسته لتخصص الهندسة الزراعية وتعلقه بالطبيعة، وحياته في مخيم الزعتري القاحل، إلا أن باسل لم يفكر لحظةً بترك المخيم والهرب خارجه، فيقول: “أنا إنسانٌ نظامي، جئت إلى الأردن بشكلٍ نظامي، ورحب بي الأردن وفتح ذراعيه لي، لذلك فأنا أحترم سيادة الأردن ولا أخالف قوانينه”.

لا يتمنى باسل في هذه الظروف الكثير، فيقول: “أنا لا أحاول البحث عن المال أو الوصول لأغراض شخصيةٍ معينة، ولا أعتقد أن الحاجة المادية هي الحاجة الكبرى لدى اللاجئين، فهم لم يأتوا هنا لأسبابٍ ماديةٍ بالدرجة الأولى، بل على العكس فقد تركوا كل ما يملكون خلفهم وجاءوا فارين بحياتهم. كل ما أتمناه من أي إنسانٍ يملك القدرة على المساعدة أن يساعد هذا الجيل، الجيل الذي تضرر بالكامل جراء هذه الأزمة دونما استثناء، وهو يمر الآن بمأساةٍ لن ينساها مدى حياته، فكل ما أتمناه هو أن يعمل العالم على تخفيف المعاناة لدى هذا الجيل، علّه يتمكن من نسيان ولو جزءٍ بسيطٍ منها في المستقبل”.

– فريق صوت

Bassel

Leave a comment

Filed under General

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s