القصص المخفية

مشاركة من مهندسة الصحة العامة في منظمة أوكسفام، فرح الباشا

التقيت بالصدفة اليوم بأحد الصحفيات التي كانت جالسة بقربي فيما كنت أحتسي القهوة مع أحد صديقاتي في مقهى، كانت تلك الصحفية تتحدث إلى المجموعة التي كانت معها بصوت مرتفع، لكنها جذبت انتباهي حالما سمعتها تقول كلمة “الزعتري” وبغض النظر عن مبادئي فإنني اضطررت لأن أتدخل في الحوار.

كانت الصحفية تتحدث بتعجبٍ قائلة: “أنا لا أستطيع أن أفهم لماذا يشعر اللاجئون بالغضب؟ لديهم كل ما يحتاجونه وما زالوا يطلبون المزيد! لديهم ماء وحمامات وطعام، لديهم فعلاً كل ما يحتاجونه وما زالوا يشتكون، حتى أنهم يلقون الحجارة على الناس في المخيم! علينا أن نشعر بالقلق على موظفينا الموجودين هناك!”.

نظرت إليها غير مصدقة ما أسمع والتفتّ باتجاهها لأسألها فيما إذا كانت قد عملت في المخيم سابقاً، فأجابت بغرور: “لا، فانا صحفية وقد قمت بكتابة العديد من المقالات عن المخيم.” فتابعت بسؤالها: “بما أنك صحفية وتكتبين عن المخيم، فهذا يعني أنك قد قمت بزيارته قبل الآن، أأنا محقة؟” فأجابت قائلة: “نعم، ذهبت إلى المخيم عدة مرات”، فتابعت السؤال بإصرار: “هل كان لديك متسع من الوقت خلال زياراتك العديدة إلى المخيم يكفيك لتحكمي على الناس هناك وعلى وضعهم؟” فأجابتني قائلة: “الناس هناك دائمو الغضب، ما الذي يريدونه بالضبط؟ لديهم أكثر مما يكفي من الماء، ومع ذلك فإنهم يطلبون المزيد! لديهم ما يكفي من الحمامات بالنسبة لمخيم ومع ذلك يطلبون المزيد! حتى أنهم يطلبون خدمات تنظيف للحمامات ويطلبون طعاماً أفضل من الذي يمنح لهم! أبإمكانك تخيل كل هذا؟ هذا مخيم، ليس فندقاً بخمسة نجوم! أنا لا أقول أن الجميع هم كذلك، هنالك بعض الناس الطيبين.” كلماتها جعلت الدموع تترقرق في عينيّ وبدأ صوتي بالارتفاع سائلة إياها باستنكار: “أتعلمين ما هي المعايير الدنيا للمخيم بشكل عام؟ أتعلمين ما هو الحد الأدنى من الماء الذي يحتاجه لاجئو أي مخيم؟ ألديك فكرة كم شخصاً يستخدم كل حمام في المخيم؟ هل سبق وأن اضطررت لمشاركة الحمام الذي تستخدمينه مع خمسين شخص آخرين؟ ألن يشعرك ذلك بالغضب؟ هل سبق وانتظرت في حياتك لما يزيد على أربعين دقيقة للحصول على ماء للشرب؟ أنا متأكدة أن الإجابة هي لا”، بدأت بالقول: “ولكن…” فقاطعتها قائلة: “ليس هناك مجال لقول لكن!”

“خلف هذه الوجوه الغاضبة، هناك أم فقدت ابنها، وهناك أخت فقدت أربعة من إخوتها، وهناك زوجة فقدت زوجها. ليس هناك ما يكفي من الماء في المخيم، الناس دائماً مصطفون في طوابير طويلة طوال الوقت، وبإمكاني أن أريك صوراً إذا لم تصدقيني”.

أخذت نفساً عميقاً، شربت بقية قهوتي الباردة وغادرت. لا أعلم لِمَ شعرت بغضبٍ شديدٍ عندما تحدثت عن اللاجئين في المخيم، لكنني وجدت نفسي أتساءل إذا كنت قد غيرت طريقة تفكيرها تجاه المخيم والقاطنين فيه. بعد أربعة شهور من العمل مع اللاجئين السوريين في الزعتري أصبحت أدرك بأن المخيم حقيقي، وبأن القصص التي فيه حقيقية، وبأن المعاناة التي أراها كل يوم حقيقية. بإمكان كل شخصٍ أن يصنع فرقاً حتى ولو ظن بأنه ليس كبيراً ولا مهماً، فقد قال غاندي في أحد المرات: ” “المهم هو الفعل نفسه، وليست النتيجة بحد ذاتها. عليك أن تقوم بالعمل الصحيح الذي وإن لم يكن منه نتيجة ضمن قدرتك أو زمنك فإن ذلك لا يعني أن تتوقف عن فعل الصواب، فلربما لا تعرف ما النتيجة التي قد تحصل من عملك لكنك إن لم تفعل شيئاً فإنه لن يكون هنالك أية نتيجة”.

Za'atri Water

Leave a comment

Filed under General, Water & Sanitation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s